السيد علي الحسيني الميلاني

188

نفحات الأزهار

كون المراد منه في حديث الغدير هو " الأولوية في التصرف " ؟ فيظهر جوابه من النظر فيما وقع يوم غدير خم ، ومجمله - كما تفيد روايات القوم - أن الله تعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وآله بأن يبلغ الناس بأن عليا عليه السلام مولاهم ، فخشي صلى الله عليه وآله أن تقع الفتنة بين الناس إن بلغهم ذلك ، فشكى إلى ربه عز وجل وحدته وقلة أصحابه المخلصين وأن القوم سيكذبونه ، فأوحى الله تعالى إليه : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) * فنزل صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم وليس بالموضع اللائق للنزول ، وكان يوما هاجرا جدا يستظل الناس فيه بأرديتهم ودوابهم ، ثم أمر صلى الله عليه وآله فقم ما كان هنالك من شوك وصنع له منبر من أقتاب الإبل ، وكان عدد الحاضرين في ذلك اليوم مائة وعشرين ألف نسمة ، وقد علم الجميع بأن هذا آخر اجتماع لهم من هذا القبيل ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوشك أن يدعى إلى ربه ، فأمر رسول الله أن يرد من تقدم منهم ، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ، فلما اجتمعوا صعد المنبر وأخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون فقال : يا أيها الناس ! قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي إلا مثل عمر الذي قبله ( 1 ) ، وإني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيرا . قال : ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن جنته حق وناره حق ، وأن الموت حق ، وأن البعث بعد الموت حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا : بلى نشهد بذلك . قال : اللهم اشهد . فقال : أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى . قال : إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه . ثم

--> ( 1 ) هذه الجملة وردت في بعض ألفاظ الحديث عند القوم ، وفيها كلام كما لا يخفى .